أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

50

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يعدّي ، وكل فعل يعمل في الفاعل من غير تعدّ ، يعني بقوله : لم يصح أن يكون فاعلا ، لم يصح أن يكون المجرور بذلك الحرف ، وإلّا فالحرف لا يكون فاعلا البتة . قوله : وَإِنْ كانَ كَبُرَ . هذا شرط جوابه الفاء الداخلة على الشرط الثاني ، وجواب الثاني محذوف ، تقديره : فإن استطعت أن تبتغي فافعل ، ثم جعل الشرط الثاني وجوابه جوابا للشرط الأول ، وقد تقدم مثل ذلك في قوله : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً ، فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ « 1 » ، وتقدم تحرير القول فيه إلّا أن جواب الثاني هناك مظهر . و « كانَ » في اسمها وجهان : أحدهما : أنه « إِعْراضُهُمْ » ، و « كَبُرَ » جملة فعلية في محل نصب خبرا مقدما على الاسم ، وهي مسألة خلاف « 2 » : هل يجوز تقديم خبر « كانَ » على اسمها إذا كان فعلا رافعا لضمير مستتر أم لا ؟ وأما إذا كان خبرا للمبتدأ فلا يجوز البتة لئلا يلتبس بباب الفاعل ، واللبس هنا مأمون ، ووجه المنع استصحاب الأصل . و « كَبُرَ » إذا قيل : إنّه خبر « كانَ » فهل يحتاج إلى إضمار « قد » أم لا ؟ والظاهر أنه لا يحتاج ، لأنه كثر وقوع الماضي خبرا لها من غير « قد » نظما ونثرا ، وبعضهم يخص ذلك ب « كانَ » ويمنعه في غيرها من أخواتها إلّا بقد ظاهرة أو مضمرة ، ومن مجيء ذلك في خبر أخواتها قول النابغة : 1915 - أمست خلاء ، وأمسى أهلها احتملوا * أخنى عليها الّذي أخنى على لبد « 3 » والثاني : أن يكون اسمها ضمير الأمر والشأن ، والجملة الفعلية مفسرة له ، في محل نصب على الخبر ، ف « إِعْراضُهُمْ » مرفوع ب « كَبُرَ » ، وفي الوجه الأول ب « كانَ » ، ولا ضمير في « كَبُرَ » على الثاني ، وفيه ضمير على الأول ، ومثل ذلك في جواز هذين الوجهين قوله تعالى : وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ « 4 » ، وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا « 5 » ، ف « فِرْعَوْنُ » يحتمل أن يكون اسما ، وأن يكون فاعلا ، وكذلك « سَفِيهُنا » ، ومثله أيضا قول امرئ القيس : 1916 - وإن تك قد ساءتك منّي خليقة * فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل « 6 » ف « خليقة » يحتمل الأمرين ، وإظهار « قد » هنا يرجح قول من يشترطها . وهل يجوز في مثل هذا التركيب التنازع ؟ وذلك أن كلا من « كان » وما بعدها من الأفعال المذكورة في هذه الأمثلة يطلب المرفوع من جهة المعنى ، وشروط الإعمال موجودة ، وكنت قديما سألت الشيخ عن ذلك فأجاب بالمنع محتجا بأن شرط الإعمال : ألّا يكون أحد المتنازعين مفتقرا إلى الآخر ، وألّا يكون من تمام معناه ، و « كانَ » مفتقرة إلى خبرها ، وهو من تمام معناها ، وهذا الذي ذكره من المنع ، وترجيحه ظاهر ، إلّا أن النحويين لم يذكروه في شروط الإعمال . وقوله : وَإِنْ كانَ كَبُرَ مؤول بالاستقبال ، وهو التبين والظهور ، فهو كقوله : إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ « 7 » ، أي : إن تبيّن وظهر ، وإلّا فهذه الأفعال قد وقعت وانقضت ، فكيف تقع شرطا ؟ وقد تقدم « 8 » أن المبرد « 9 » يبقي « كانَ » خاصة على مضيها في

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 38 ) . ( 2 ) انظر همع الهوامع ( 1 / 118 ) . ( 3 ) انظر ديوانه ( 31 ) ، شرح القصائد للتبريزي ( 516 ) ، الهمع ( 1 / 114 ) ، الخزانة ( 4 / 5 ) ، الأشموني ( 1 / 230 ) ، الدرّر ( 1 / 84 ) . ( 4 ) سورة الأعراف ، آية ( 137 ) . ( 5 ) سورة الجن ، آية ( 4 ) . ( 6 ) تقدم . ( 7 ) سورة يوسف ، آية ( 26 ) . ( 8 ) انظر آية ( 23 ) من سورة البقرة . ( 9 ) انظر المقتضب 3 / 97 .